Friday, December 16, 2005

مشاهدات من مدينة كركوك المستلبة

يوما بعد آخر تثبت الاحداث بأن الديمقراطية العراقية الجديدة وليدة رحم عليل ، تارة تحتضر واخرى تحاول استعادة قواها بجرعات من المقويات والمضادات لكنها سرعان ما تنتكس بعد أول تجربة ليدخلوها إلى غرفة الإنعاش لحقنة عبر الوريد دون أن يُجرى لها أية عملية جراحية رُغم مطالبة الأطباء ،وحجة الرافضين أن الوقت لايسمح وان الجدول الذي وضعه سيد البيت الأبيض ومستشاروه يصعب عليهم الأمر .
مسكين هذا الشعب أُخص بهم المثقفين والوطنيون والغيورون على بلدهم .فهم يمارسون الديمقراطية بشفافية وعلى الطريقة الغربية ، يتصورون إن ذهابهم أفواجاً وأفواج قاصدين تلك الصناديق ( المحروسة جدا ) اللهم إلا من المزورين يكفي ليضعوا النقاط على الحروف ، يتصورون إن بعض رجال الشرطة والأمن محايدون وأبرياء وان المفوضية العليا للانتخابات ( المستقلة جداً ) قادرة وتريد أن تكشف أي تزييف لأصواتهم وان وان وان ... ، إنهم يعيشون في جمهورية أفلاطون الفاضلة .
لست من هواة تعكير ألاجواء والأمزجة فأنا مثلهم ثمل من رأسي حتى أخمص قدمي بكلمات تشربت عليها كالحق و الديمقراطية وحقوق الإنسان و و .... لكني استميحكم عذراً لأني ( سأزف ) إليكم بعض مشاهدات الديمقراطية الجديدة من مدينة ( القهر والاستلاب ) ، نعم مدينة القهر والاستلاب فهي مدينة عراقية كبيرة وهامة جداً جداً يسيل لها لعاب البعض من الداخل والخارج ؛ هذه المدينة (كركوك ) تجري فيها كل الأمور بهدوء وروية دون إثارة الأنظار فالسرقة تتم ليلاً والناس نيام ، إلا أهلها المغلوب على أمرهم إلى حين فالنوم لا يعرف إلى جفونهم طريقاً .
وأنا أسير في شوارعها القديمة وأزقتها الخِربة انقل إليكم مشاهد يومين، يومين فقط:
المشهد الأول : الأربعاء صباحاً 14 كانون الأول 05 سيارات الشرطة و الطوارئ تجوب الطرقات طولاً وعرضاً لا لتحمي الناس وتطبق القانون بل لتعرض أعلام كردستان أمام المارة ومكبر صوتها تحولت إلى أبواق للاستفزاز بأناشيد وخطب كردية .
المشهد الثاني : الأربعاء مساء 14 كانون الأول 05 بعض سيارات الطوارئ والشرطة تتعاون لكن في تمزيق الدعايات الانتخابية للأحزاب والكيانات غير الكردية من الجدران .
المشهد الثالث: الخميس صباح يوم الانتخاب، صباح جميل والناس يتوجهون بسرور وإصرار إلى صناديق الانتخاب، سيارات الشرطة والطوارئ تجوب الشوارع وخاصة شارع منطقة تسعين ومصلى ذات الغالبية التركمانية حاملة الأعلام الكردية وكأنها تريد تصفية حساب قديم ، وقد كان فارس هذا العمل الرئيسي شرطة الطوارئ .والحقيقة ؛ المشكلة ليس في الأعلام فكل الأحزاب لها أعلامها وإنما في من يحمله الذي يفترض به الحياد والنزاهة ، هل هذا ما وعدونا به بعد تغيير النظام السابق ؟؟؟
المشهد الرابع : صباح يوم الانتخاب ، حراس دائرة القائمقامية يقطعون الشارع الرئيسي قرب مبنى المحافظة لا للتفتيش عن المسيئين ولا لتحمي المبنى عن المهاجمين بل ليرقصوا حاملين علم أحزاب الكرد ؛ وليضربوا طفلاً لا يتجاوز عمره العقد إلا بقليل لا لجريرة اقترفه سوى انه يقود دراجة هوائية عليها علم التركمان .
المشهد الخامس : صباح يوم الانتخاب من داخل إحدى مراكز الانتخاب ؛ رجل ينتخب ويتجادل مع مراقب إحدى الكيانات الذي يتهمه بتكراره للتصويت لأكثر من مرة .
المشهد السادس: فتاة لم تبلغ السن القانونية للانتخاب تنتخب بكل حرية .. يتعالى اعتراضات الكيانات السياسية العربية والتركمانية ليجيبهم المسؤول : عدكم ورقة وقلم وإذا ما عدكم انطيكم .
المشهد السابع : رجال شرطة يدخلون قاعة التصويت ليصوتوا(علما بانهم صوتوا قبل الانتخابات بيومين ليتفرغوا للحماية) ....
المشهد الثامن : ناخبون يقدمون أوراق مستنسخة ودفاتر خدمة عسكرية صادرة من السليمانية بتاريخ 1982 وعندها قال له موظف التدقيق ان اسمهم غير مسجل ضمن القوائم أصروا وتدخلت الكيانات السياسية العربية والتركمانية لمنعهم لكنهم نجحوا في النهاية من التصويت لان مسؤول المركز الكردي سمح لهم وعند خروجهم قالوا لبعض الجالسين ( نصوت رغم انفكم )
المشهد التاسع : احد المراقبين يتجادل بشدة مع مسؤول المركز الكردي لأنه سمح لناخب بالتصويت ( تسع عشرة مرة ؟؟؟؟ ) نعم تسع عشرة مرة ؟ لم يحدث هذا في دارفور بعيدة عن أعين المراقبين وإنما في العراق رغم كل العيون والأضواء المسلطة عليه ، وتحديداً في ناحية صغيرة لايتجاوز عدد سكانها ببيوتها المهدمة ( الخمسةالآف نسمة ) اسمها ( قرة عنجير ) والأغرب أن عدد الناخبين وصل فيها إلى (خمسة وعشرون الفاً ) .وقد كان بطل التزوير فيها بلا منازع السيد (صباح ) مسؤل المفوضية هناك اما اهم مراكز التزوير فهي منتشرة وجلية لاخجل فيها وهي ( مدارس قرة عنجير ، سركاني ، ومركز باني مقان اهم مواقع التزوير بالجملة والمفرد ) فضلاً عن سيارات الكوستر وبأعداد كبيرة تجوب هذه المناطق لتنقل مصوتوا السليمانية الى هذه المراكز في كركوك ، لينتهي عرس الانتخابات والديمقراطية الجديدة في الساعة العاشرة صباحاً بهدوء وسلام ، ولتخرج علينا المفوضية ( المحترمة ) وتقول إن كل شيء على ما يرام .
المشهد العاشر : قرى متناثرة بين التلال تنتخب وهذه حقاً ظاهرة حضارية منها قرى ( بنه ، كوركي ، جيمن ، قرة ويس ، باش بولاغ ، ...) عدد منازل كل قرية من خمسة إلى عشرون لتخرج ألينا النتائج بالأعاجيب لايقل تعداد كل منها عن أربعة الآف نسمة، حتى كادت ناحيتي شوان وقرة عنجير تصلان الى حدود ( خمسين ألف نسمة ) .
هذه مشاهدات قليلة من عدسة مراقب واحد
.
فأين الديمقراطية من كل هذه .. لماذا لا يُحقق في كل هذه الخروقات ؛ فلاندري لماذا لا يتغير شخوص المفوضية فهي الثابت الوحيد في العراق . كيف يخرج علينا السيدان المبجلان (فريد آيار و عادل اللامي ) الكارهان جداً جداً لعدسات الفضائيات بتصريحات صاروخية رنانة عن النجاح العظيم للانتخابات و عدم وجود أية خروقات وعن النزاهة وسيطرة المفوضية على الأمور ؛ اللهم إلا إذا لم تكن المفوضية تعلم ، أما إذا كانت تعلم فتلك المصيبةُ الأعظم .
والباقي متغيرات، انه سؤال قد يعتبره العارفون ببواطن الأمور ساذجاً . لكن الحقيقة الأكيدة أن تغيير صورة كركوك التركمانية سيستمر إلى وقت قادم إلى أن يحققوا غايتهم في تغييب التركمان طالما تواجد على أرضهم ملوك التزوير . فمن غير المعقول ولا المقبول أن يتسائل احد بعد الان عن سؤال ساذج ( لماذا يخسر التركماني الاصوات في مدينته التأريخية كركوك ؟؟؟)